الشيخ محمد رشيد رضا

137

الوحي المحمدي

كما أن الجنة في الآخرة للمتقين ؛ قال تعالى في سورة الطلاق : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 ، 3 ] ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [ الطلاق : 4 ] ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [ الطلاق : 5 ] ، وأمثال ذلك في التقوى العامة والخاصة وأجرها وعاقبتها كثير . فمعنى التقوى العام : اتقاء كل ما يضر الإنسان في نفسه وفي جنسه الإنسانى القريب والبعيد ، وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة والغايات الحسنة والكمال الممكن . ولذلك قال العلماء : إنها عبارة عن ترك جميع الذنوب والمعاصي وفعل ما يستطاع من الطاعات ، وزدنا على ذلك : اتقاء الأسباب الدنيوية المانعة من الكمال وسعادة الدارين بحسب سنن اللّه تعالى في الكون ، كالنصر على الأعداء وجعل كلمة اللّه هي العليا في الأرض ، كما هي في الواقع ونفس الأمر ، وكلمة الذين كفروا السفل كذلك ، وكمال ذلك يتوقف على العلم الواسع بالكتاب والسّنّة ، وكمال هذا يتوقف على معرفة سنن اللّه تعالى في الإنسان مجتمعا ومنفردا كما أرشد إليه في آيات من كتابه ، ومن ثم كانت ثمرة التقوى العامة الكاملة هنا حصول ملكة الفرقان التي يفرق صاحبها بنوره بين الأشياء التي تعرض له من علم وحكم وعمل ، فيفصل فيها بين ما يجب قبوله وما يجب رفضه ، وبين ما ينبغي فعله وما يجب تركه . وتنكير الفرقان للتنويع التابع لأنواع التقوى ، كالفتن في السياسة والرئاسة والحلال والحرام والعدل والظلم ، فكل متق للّه في شئ يؤتيه فرقانا فيه . وبذلك كان الخلفاء والحكام من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن تبعهم من خلفاء العرب أعدل حكام الأمم في الأرض حتى في عهد الفتح ، قال بعض حكماء الإفرنج « 1 » : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب ، ولكنهم لم يتقوا فتن السياسة والرئاسة لقلة خبرتهم . فعوقبوا عليها بتفرقهم وضعفهم وزوال ملكهم ، وكان من بعدهم من أعاجم المسلمين دونهم لجهلهم بكل نوع من أنواع التقوى الواجبة ، وحرمانهم من فرقانها ، فهم يزعمون أنهم يجددون مجدهم ، مع جهل هذا الفرقان المبين ، وعدم الاعتصام بالتقوى المزكية للنفس ، المؤهلة لها للإصلاح في الأرض ، بل مع انغماسهم في السكر والفواحش ، لظنهم أن الإفرنج قد ترقوا في دنياهم بفسّاقهم وفجّارهم ، وإنما ترقوا بحكمائهم وأبرارهم ، الذين وقفوا حياتهم على العلم والعمل النافع . وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ هذا عطف على يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ، أي : ويمحو بسبب هذا الفرقان وتأثيره ما كان من تدنيس سيئاتكم لأنفسكم فتزول منها داعية

--> ( 1 ) هو الدكتور « غوستاف لوبون » ؛ صاحب كتاب حضارة العرب والإسلام وغيره من المصنفات .